ابن عجيبة

90

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( يا عيسى ابن مريم ) : ابن هنا بدل ، ولذلك كتب بالألف ، و ( أن ينزل ) : مفعول ( يستطيع ) ، ومن قرأ بالخطاب ، فمفعول بالمصدر المقدر ، أي : سؤال ربك إنزال مائدة ، و ( لأولنا وآخرنا ) : بدل كل ، من ضمير ( لنا ) ، لإفادته الإحاطة والشمول كالتوكيد ، و ( ذلك ) : شرط إبدال الظاهر من ضمير الحاضر ، وأعيدت اللام مع البدل للفصل ، وضمير ( لا أعذبه ) : ، نائب عن المصدر ، أي : لا أعذب ذلك التعذيب أحدا . يقول الحق جل جلاله : واذكر إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ أي : هل يطيعك ربك في هذا الأمر ، أم لا ؟ فالاستفهام عن الإسعاف في القدرة ، فهو كقول بعض الصحابة لعبد اللّه بن زيد : هل تستطيع أن ترينا كيف كان يتوضأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ مع جزمهم بأن عبد اللّه كان قادرا على تعليمهم الوضوء . فالحواريون جازمون بأن اللّه - تعالى - قادر على إنزال المائدة ، لكنهم شكوا في إسعافه على ذلك . قال ابن عباس : كان الحواريون أعلم باللّه من أن يشكوا أن اللّه تعالى يقدر على ذلك ، وإنما معناه ، هل يستطيع لك ؛ أي : هل يطيعك ، ومثله عن عائشة ، وقد أثنى اللّه - تعالى - على الحواريين ، في مواضع من كتابه ، فدل أنهم مؤمنون كاملون في الإيمان . قال لهم عيسى عليه السّلام : اتَّقُوا اللَّهَ من أمثال هذا السؤال واقتراح الآيات ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بكمال قدرته وصحة نبوتي ، فإنّ كمال الإيمان يوجب الحياء من طلب المعجزة ، قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها أكلا نتشرف به بين الناس ، وليس مرادهم شهوة البطن ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال ، أي : نعاين الآية ضرورة ومشاهدة ، فلا تعرض لنا الشكوك التي في الاستدلال ، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا علما ضروريا لا يختلجه وهم ولا شك ، وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ أي : نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ، أو من الشاهدين للعين ، دون السامعين للخبر ، وليس الخبر كالعيان ، والحاصل : أنهم أرادوا الترقي إلى عين اليقين ، دون الاكتفاء بعلم اليقين . قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مسعفا لهم لما رأى لهم غرضا صحيحا في ذلك ، روى أنه لبس جبّة شعر ، ورداء شعر ، وقام يصلى ويدعو ويبكى ، وقال : اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي : لمتقدمنا ومتأخرنا ، يعود علينا وقت نزولها كل عام بالفرح والسرور ، فنتخذه عيدا نحن ومن يأتي بعدنا ، وَ يكون نزولها آيَةً مِنْكَ على كمال قدرتك وصحة نبوتي ، وَارْزُقْنا المائدة والشكر عليها ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ أي : خير من يرزق ؛ لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض ، ونسبة الرزق إلى غيره مجاز . قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما طلبتم ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ أي : من عالمي زمانهم ، أو مطلقا .